إشراقات - خاص
لم تكن العلاقة بين المنظمات غير الحكومية والجهات الضريبية في العراق مستقرة خلال السنوات الماضية، إذ شابها الكثير من الغموض والتفسيرات المتباينة التي أفضت في أحيان كثيرة إلى فرض مطالبات ضريبية أثارت جدلاً واسعاً، ووضعت هذا القطاع أمام تحديات قانونية وإدارية معقدة. وبين واقع تشريعي قديم لا يواكب طبيعة عمل المنظمات غير الربحية، وإجراءات تنفيذية تجاوزت في بعض الأحيان حدود النص القانوني، برزت الحاجة إلى معالجات جذرية تعيد ضبط المسار.
ومع إطلاق حزمة الإصلاحات الضريبية الأخيرة، تحركت الجهات المعنية لوضع حد لحالة الالتباس، عبر قرارات تهدف إلى تنظيم الإطار المالي والقانوني لعمل المنظمات، وتحديد التزاماتها بشكل واضح، بما ينسجم مع طبيعتها غير الربحية، ويعزز في الوقت ذاته مبادئ العدالة الضريبية.
إشراقات ، نفتح هذا الملف الشائك، ونناقش خلفياته وتفاصيله، وانعكاسات القرارات الجديدة على واقع المنظمات، في حوار خاص مع السيد " خالد الجابري " رئيس مؤسسة أصول للتطوير الاقتصادي والتنمية المستدامة وعضو اللجنة العليا لمتابعة تنفيذ الإصلاح الضريبي .
- هل يمكن ان توضح لنا مضمون هذه القرارات بشكل عام؟
بالرجوع إلى قانون ضريبة الدخل رقم (113) لسنة 1982 المعدل، نجد أن المادة (ثامناً/8) والمادة (26) قد أشارتا إلى إعفاءات تتعلق بطبيعة الأنشطة، ورغم أن القانون لم يذكر المنظمات صراحة، إلا أنه تناول أنشطتها بشكل ضمني. ويُعزى ذلك إلى قدم التشريع، إذ صيغ في ظل اقتصاد موجه ذي طابع اشتراكي، لا يتناسب مع البيئة الاقتصادية الحالية القائمة على اقتصاد السوق.
في المقابل، نصّ قانون المنظمات غير الحكومية رقم (12) لسنة 2010، في المادة (أولاً)، على أن هذه المنظمات غير ربحية. وبناءً عليه، فإن دائرة المنظمات غير الحكومية تقوم بتسجيلها تحت هذا الوصف، مما يُخرجها من نطاق تطبيق قانون ضريبة الدخل. ويستند هذا التكييف إلى قاعدة فقهية مستقرة مفادها أن “القانون الخاص يُقيّد العام”، وبالتالي فإن عدم تحقق الربح يعني انتفاء وعاء الضريبة، باعتبار أن الضريبة تُفرض على صافي الربح المتولد من النشاط الاقتصادي، وهو ما لا ينطبق على المنظمات.
وعليه، لا توجد جهة مخولة قانوناً بمطالبة هذه المنظمات ببراءة ذمة ضريبية تتعلق بضريبة الدخل، لأنها ببساطة غير خاضعة لهذا النوع من الضرائب.
إلا أن سوء الفهم من قبل بعض موظفي الهيئة العامة للضرائب، وتجاوز الدور التنفيذي إلى تفسير النصوص القانونية بشكل غير دقيق، أدى إلى خلق ضغوط كبيرة على المنظمات، سواء المحلية أو الأجنبية. وقد تجلى ذلك بوضوح في قرار إيقاف تنقل السيارات والمعدات العائدة للمنظمات التي لا تمتلك براءة ذمة، وهو إجراء يخالف الأطر القانونية النافذة.
وفي هذا السياق، برز دور اللجنة العليا لتنفيذ الإصلاح الضريبي، بقيادة الدكتور عبد الحسين العنبكي، وبمشاركة مستشار رئيس مجلس الوزراء الدكتور قحطان الكعبي، والسيد أشرف الدهان مدير عام دائرة المنظمات غير الحكومية، حيث تم العمل على معالجة هذا الإشكال بشكل جذري وتنظيم الإجراءات بصورة قانونية واضحة.
- ما الهدف من تنظيم التحاسب الضريبي للمنظمات غير الحكومية؟
إن تنظيم الأعمال من الناحية المالية يُعدّ ضمانة أساسية لحفظ حقوق جميع الأطراف، كما يُسهم في تقليل الضغوط على المنظمات. وقد عانت المنظمات العاملة في العراق، لا سيما العربية والأجنبية، لفترة طويلة من مطالبات ضريبية غير مبررة، خصوصاً فيما يتعلق بالأنشطة المجتمعية، حيث طُلب منها إجراء تصفية ضريبية رغم أن ذلك يتعارض مع الطبيعة الاجتماعية لهذه الأنشطة.
- هل يمكن توضيح المقصود بسنة تولد الدخل بشكل مبسط؟
أن سنة تولد الدخل تُعد الأساس لفرض الضريبة في الأنشطة الربحية، حيث يتم احتساب الضريبة على صافي الربح بعد خصم المصاريف من الإيرادات. وهذا المفهوم لا ينطبق على المنظمات غير الربحية، لعدم وجود ربح أصلاً.